العلاقة بين اللغة العربية والصومالية

من الأمور الملفتة حقًا، ما يطلع به علينا بعض الإخوة من أبناء وطننا، من محاولات للي عنق الحقيقة، باتجاه ما يتلاءم مع ما يظنونه محبة للدين الإسلامي، وعشقهم للغة العربية لغة القرآن الكريم، ولسان نبي الإسلام حبيب الله محمد بن عبدالله – صلى الله عليه وسلم – ، إلاّ ان الاتجاه الذي يأخذه بعضهم في تعبيرهم عن ذلك، يتجاوز الموضوعية، ليصبح شكلاً من أشكال المزايدة إن لم يبلغ حد الغلو والجور.

وليس هناك ما يؤخذ عليهم في محبّتهم للدين لإسلامي وكتابه ونبيه، فالصومالي معروف منذ أن سكنت العقيدة الإسلامية قلبه، وملكت عليه مهجته وغدت نهج حياته، في شرعها الذي كان يحتكم إليه، وعباداتها التي كانت وسيلته في مناجاة خالقه، وتعاملاته التي كانت عماد حياته، معروف بحرصه على الدين والدفاع عن كل مفردة من مفرداته، لكن ما يُعتبر تجاوزًا مخلًّا، وابتعادًا بيّنًا عن العدالة والإنصاف لثقافة شعبنا ولغته، اعتبار اللغة الصومالية لهجة عربية، أو لغة هجينة مشتقّة من أصل سامي لازال حتى هذه اللحظة مجهولاً، فكأن الأخوة أصحاب ذلك التوجّه، قد قررّوا نيابة عن ملايين الصوماليين، أن عصفورنا الذي في اليد لا يستحق أن نحتفظ به، لصالح عشرة عصافير يطلبون منّا أن نقتنع بوجودها على نخلة ما في ليلة محاق غائمة.

ولأننا نسعى لإنصاف لغتنا الأم، فإننا ملزمون كذلك باعتماد الانصاف في كل ما يتعلق ببحثنا عن الحقيقة، فأسوأ ما يمكن أن يتعرّض له عملنا المضني الذي نحن بصدده، أن يتهافت هكذا من أوّل محاولة للتفحّص والتمحيص، وعلى ذلك فإننا سنعمل على تسمية الأشياء بمسمياتها، وأن نضع الأمور مواضعها، فنبدأ بتعريف للغتين التين نحن بصدد المقارنة بينهما، وكشف أوجه التشابه، وما جرى من استعارات للعبارات والمصطلحات، ومدى قربهما وكذا مدى البَون بينهما.

أولاً :اللغة العربية

اللغة العربية جملة، من اللغات السامية التي استقر بها المقام في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والرافدين، وهي في ذلك شأن لغات سامية عديدة كالعبرية والآشورية والآرامية والحميرية والمعينية والقتبانية والسبئية، إلاّ أن اللغة العربية تمّزت بأنها لغة قوم يسكنون الصحراء، بعيدًا –نسبيًّا – عن تأثير الحضارات التي هيمنت على بقية الأقاليم الحضرية للشعوب السامية، فقد هيمن الفرس على بلاد الرافدين، وكذا الروم على بلاد الشام، وفرض الأحباش نفوذهم على جنوب الجزيرة العربية لفترات طويلة من الزمن.

العرب

وينقسم العرب حسب المراجع العربية، إلى ثلاثة أقسام أساسية النوع الأول هو العرب البائدة كـ(عاد وثمود وطسم وجديس ولخم وجذام وعمليق)، وقد بادت تلك القبائل باندثار قوتها، ونزوحها عن مواطنها وذوبانها فيما يحيط بها من شعوب، أمّا القسم الثاني فهم العرب العاربة وهم أبناء قحطان أو يُقطان وهم أهل اليمن ومن كان من أنسالهم كـ(سبأ وحمير ومعين ,قتبانوالأوس والخزج وغيرهم)، أما القسم الثالث فهم العرب المستعربة، أبناء عدنان من نسل النبي إسماعيل –عليه السلام -، وتأتي قبيلة قضاعة فتنسب تارة للقحطانيين وتارة للعدنانيين، إضافة إلى جرهم ـ مجهول الأب ـ،وخزاعة الذين أشار أحد الباحثين إلى أن اسمهم بالمصرية القديمة يعني “الإخوة الحرس” بما يتلاءم مع دورهم في مكة قبل أن يستعيد نسل إسماعيل مكانتهم فيها.

اللغة العربية

ومن المهم لفت النظر إلى أن اللغة العربية كانت عبارة عن أسرة متقاربة من اللهجات، وذات فرعين رئيسيين عربية الجنوب العربي (اليمانية)، وكان مركزها اليمن وقد سادت جلّ شبه الجزيرة العربية لفترة طويلة، وعربية شمالية (شآمية) سادت في شمال الجزيرة العربية وبادية الشام، ثم بلغت ذروة قوتها ببروز (مكّة) كمركز ديني وتجاري مهم، وسيادة قبيلة قريش على قبائل العرب، وقد بلغت اللهجات العربية الجنوبية من الضعف مع مرور الوقت، حتى اندثر جلها، وتبنى أهل اليمن لهجات مشتقة من العربية الشمالية.

وحاول بعض علماء الألسن أن يقسّموا اللغة العربية إلى ثلاثة انواع، نوعان منها الفصحى وهما لغة قريش إبان البعثة النبوية، واللغة الفصحى الفصيحة المستعملة اليوم في الحكم والقضاء وبعض الإعلام، أما النوع الثالث فهو اللهجات العامية.

ويهمّنا حين الحديث عن اللغة العربية نوعان، لغة قريش إبّان البعثة النبوية، واللهجات العامية في المنطقة القريبة من الإقليم الصومالي.

تاريخ اللغة العربية الفصحى:

نشأت اللغة العربية الفصحى في مكة المكرمة، الحاضرة الأهم لعرب شبه الجزيرة العربية، ونشأه تلك اللهجة التي ستصبح بعد فترة من الزمن اللغة العربية الأولى والأهم، نتيجة للدور الثقافي الذي كان يحمله اجتماع القبائل العربية فيها لدى مواسم الحج والتجارة، وتعود بدايات تكوّنها ناشئًا عن استعادة قصي بن كلاب المنحدر من عدنان ، لما كان لأبناء جده نبي الله اسماعيل – عليه السلام -، من مكانة و حقوق في الحرم المكي، بعد دهور من سطوة قبيلة جرهم، وما قامت به قبيلة خزاعة من إجلاء جرهم من مكة بعد ذلك، وتفرّدها بمكة بعد أن غادرها أبناء عدنان، وتحوّلهم عن التمدّن إلى البداوة والترحّل.

وقد كان ذلك التحوّل السياسي في مكة، بداية لنشأة قبيلة قريش التي كانت بيوتاتها من أحفاد قصي بن كلاب، وتنحّت العربية الجنوبية (اليمانية)، بعد عشرات القرون من سيادتها لبلاد الحجاز، لتفسح المجال للعربية الشمالية (الشآمية) المطعّمة باليمانية، لتصبح ذلك المزيج الفريد، نواة لمنحى فريد من التطوّر شهدته اللغة العربية، ولتجد اللهجات العربية شمالية وجنوبية، جسرًا فتيًّا ومتطوّرًا للالتقاء، ووضع الأساس لوحدة ثقافية بلغت ذروتها، بأن بلغت اللغة العربية الفصحى (لغة قريش)، من الكمال والروعة ما جعلها مهيئة لتحمل عبئ الوحي الإلاهي لرسول الله محمد بن عبدالله الهاشمي القرشي العدناني – صلى عليه الله ما طلعت شمس أو أفلت-.

ولا نكون مبالغين في اعتبار اللغة العربية الفصحى – لغة قريش -، ذروة سنام اللغات، وقمة ما وصل إليه الإلهام الإلاهي للبشر، وما وهبهم من قدرة على الإبداع اللغوي.

 

العربية الفصحى

العربية الفصحى

العلاقة بين اللغات السامية والكوشية (العربية والصومالية) نموذجًا:

وبتتبع منحى تطوّر اللغة العربية لشكلها الوارد في النص القرآني وكذلك النصوص النبوية، فإننا ندرك بذلك أن اللغة العربية الفصحى، أخذت شكلها النهائي قبل بعثة النبي بفترة قصيرة، لاتتجاوز قرنين من الزمن أي قبل 1600 سنة تقريبًا، في حين أن الباحثين في اللغة الصومالية يقولون بأن اللغة الصومالية أخذت شكلها الحالي، في فترة حول القرن الأول الميلادي، ناهيك عن توجّه الكثير من علماء اللسانيات، لاعتبار اللغات السامية، فرعًا متنحِّيًا من اللغات الحامية (الإفريقية)، انفصل باكرًا عن اللسان الحامي (الإفريقي) الأول، ليأخذ منحًا متميّزًا في التطوّر، مع احتفاظه بالكثير من الخصائص الأساسية، كالأصل الثنائي والثلاثي لجذر الكلمة.

وبالرجوع إلى ما أوردناه آنفًا في كتابنا، من الوجود الكوشي الموغل في القدم، على الأرض العربية، وكون لغات إفريقية عديدة تحمل ذات الصفة الكوشية، من ضمنها اللغة الصومالية، فلا نكون بعيدين عن المصداقية، لقولنا بأن النشأة الأولى للغات السامية، كانت متأثرة بالمنبع الذي نبعت منه لغتنا الصومالية الحالية، والذي لم تكن فقط منبثقة منه فقط، بل وريثة له، نظرًا لعدم الأهمية الفعلية للتأثيرات الأجنبية على اللغة، فتلك المؤثرات لم تتجاوز في مجملها، على تسميات لأدوات لم يقم الصوماليون بصناعتها، و مصطلحات دينية، وفي كلى الحالتين فإن اللغة الصومالية لم تكن فعلاً بحاجة إلى إضافتها، إنما أضافها الإنسان الصومالي في فترات لم يكن هو المهيمن على ناصية الإنتاج الصناعي، ولم يكن كذلك على مكانة عالية من التعليم الشرعي، ولا نبالغ بأن جهود صوملة المصطلحات في السبعينيات، قد نجحت إلى حد كبير في صوملة معظم ما كان موجودًا من تسميات ومصطلحات علمية وصناعية دون عناء يُذكر، وأن المصطلحات الدينية الواردة من اللغة العربية، كان ولا زال لمرادفاتها وجود في اللسان الصومالي المتداول اليوم.

كما أن من المهم الالتفات إلى مسائل مهّمة، تقتضيها ما نحاول الوصول إليه، من ضرورة طي صفحة الاستسهال أو الانسياق نحو عاطفة نبيلة، قد تقود لأخذ مواقف غير منصفة، فلا غرابة في ان نجد في اللغة العربية كلمات وعبارات، خاصة على المستوى الديني والعقدي، يصعب الوصول إلى جذرها العربي الواضح، كالتالي:

  • من أهمّ الأمور التي تدلّ دلالة واضحة على قدم اللغة، هو بساطة مفرداتها، من حيث الجذر، ففي حين أن اللغة العربية ثلاثية الجذر في مجملة مفرداتها، تتراوح اللغة الصومالية بين الثنائية والثلاثية، والجميل في اللغة الصومالية أن تنوّع المدود
  • بركة: ونقصد بذلك معاني الوفرة والخير.

فلو اعتبرنا جذرها الثلاثي (ب،ر،ك) فما هي العبارات العربية، المماثلة لها في الجذر ولها معنًى قريب من المعنى العام المعروف لها؟

بكل بساطة لا يوجد!

للفظة (بركة) العربية، لفظة قريبة صومالية، تعني (مطر الإله) وتعني أيضًا (موضع الإله) و(علامة الإله)، وفي كلتا الحالتين، فإن معنيها مرتباطة بالإلاه، إذ أن قدماء الصوماليين كانوا يطلقون في بعض عصورهم، (واقه/واق) على الإله، ونجد ذلك في أسماء بلدانهم وقبائلهم كبلدة (عابد واق = أعبد واق أو معبد واق) و (عيل واق = بئر واق).

وبمزيد من التفصيل نعود للتوضيح:-

بركة: (ب،ر،ك) نظيرتها الصومالية [ بر-واقه]: (ب،ر،ق)

  • وحي: ومعناه شيء يدركه المرؤ بوعيه، دون أن يحيط بماهيته.

يقابلها باللغة الصومالية (وح): شيء لا على التحديد.

والفعل الصومالي منها (وحي-يي): أي صنع الشيء غير المحدد.

 

  • طيبة: مدينة النبي – صلى الله عليه وسلم -.

ولنكون دقيقين بشأن اسم (طيبة)، فقد أطلق النبيُّ عليها اسم طيبة، بكسر الطاء تليها ياء ساكنة، ثم باء مهملة وتاء مربوطة.

تي-إيبه: باللغة الصومالية تعني (المملوكة للرب)، وهو ذات اسم عاصمة مصر العاليا.

إذ أن (تي) تعني حرفيًّا باللغة الصومالي (التي)، ولفظة (ايبه) تعني (الرب)، فيكون المعنى (التي للرب).

مثال توضيحي:

حين نقول بالصومالية: السيارة تعرّضت لخدش، يأتي السؤال (أي سيارة؟) يكون الجواب بالصومالية (تي حسن) أي (التي لحسن/ أي المملوكة لحسن).

  • من دلائل قدم الإنسان الصومالي، وبالتالي لغته ما ساقه أحد الباحثين الصوماليين، من أن قدماء الصوماليين قد عرفوا في عبادتهم، الإله (ودّ) المذكور في سورة (نوح)، وهو إلاه يعتبره علماء التاريخ والأديان إلاهًا ميّز الشعوب الحاميّة، ويرد اسم (ود) في الصومالية نافرًا في عدة حالات كالتالي:
  • يطلق الصوماليون لفظة (غراد) على الشخص الملم بالقانون التقليدي، والاسم مكوّن من مقطعين (غر = حق) و (آد = المتوجّه)، ومعنى التوجّه هنا هو معرفة الدرب نحو الحق، فالشخص الذي يكثر سلوك درب ما، هو الأخبر به وأدرى بغايته.

الآن وقد أخذنا فكرة عن مصطلح (آد) يمكننا الانتقال لما نريد الوصول إليه من النقطة السابقة التي أثرناها.

فالصوماليون حتى يومنا هذا، يطلقون على الرجل الضليع في الدين، الذي يلجأون إليه في معرفة الدين وتعلمه، لازالوا يطلقون عليه (وداد) أي (ود-آد) أي (المتوجه لِـود).

  • كما لايمكن إغفال حضور (ود) في حياة الإنسان الصومالي إلى اليوم، وما يمكن اعتباره تجلّيًا لمعتقد قديم يربط بين الموت وما بعده بالإله (ود)، فحين يحذر الصومالي أحدًا من مسألة فيها هلاكه يقول (ود-كا با غلي) أي [لقاءك (ود) الخاص بك إنما هو في هذا الأمر].

يستكمل

About محمود محمد حسن عبدي

كاتب، شاعر، أديب
هذا المنشور نشر في ملف تطوير الأبجدية واللغة الصوماليتين, مراسلات و مسائل ثقافية, تعريف بالصومال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to العلاقة بين اللغة العربية والصومالية

  1. naema كتب:

    ماشاء الله تبارك الرحمن اخي بارك الله فيك في هذة العلومات القيمة استفدت كثير والله استمر دمت في حفظ الله ورعايته ٠اختك نعيمة

    • Ismail Farah كتب:

      ماشاء الله ، موضوع ممتاز جدا .
      و بجد استمتعت بقراءة المقال ، و أنتظر مقالات أخرى عن التاريخ الصومالي .
      جزاك الله خيرا

      • بارك الله فيك أخي،إنّما سأضيف أمنية إلى أمنيتك، وهي أن يقوم الأحبة الأخرون من الكتّاب والمدونين ببذل الجهد في تقديم ما هو مفيد ويجمع الناس على الخير..
        جزاك الله خيرًا على تشجيعك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s