الجحيم المحفوف بالنيات الحسنة

1198_718182

الصومال: استغلال الدين في السياسة

المصدر: السفير العربي

خمسة عشر قتيلًا وأربعون جريحًا، حصيلة لم تعد لافتة ليوم آخر من التفجيرات، كالسابع من أيلول/ سبتمبر الحالي، في العاصمة الصومالية مقديشو، باسم تطبيق الشريعة الإسلامية وتحرير البلاد من «الصليبيين» و«المرتدين»، في واحدٍ من أندر بلدان العالم من حيث وحدة الديانة والمذهب لدى شعبه، وفي ظلّ حكومة فيدرالية يهيمن عليها فريق سياسي من «حركة الإصلاح في القرن الإفريقي» (الإخوان المسلمين)، تحت مسمّى جناح «الدم الجديد».

اسلام ام قبلية

من أهم ميزات الحراك السياسي لأصحاب الدعاوى الإسلامية في بلاد الصومال عموماً، حالة غرائبية من تفريخ التنظيمات ضمن التنظيمات، أو التئام أطياف متضاربة القراءات والتأويلات للنص الشرعي في لحظة ما. وهي لحظة قد لا تطول حتى يزداد تعقيداً المشهد السياسي ضمن ذلك النطاق الغامض وغير المفهوم، فيعود للتفكك أكثر.
فتتبع مسار العمل السياسي «ذي الدعاوى الدينية»، منذ مرحلة الخلاف التاريخي بين قياداته، إبّان حكم الجنرال محمد سياد بري، التي أعلنت أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على بنود الأحكام الشرعية في سبيل التطبيق الكامل للشريعة مستقبلًا، مروراً بالتحالف بين أطراف من الطيف الإسلامي مع الجنرال محمد فارح عيديد، ومحاولات فتح جبهة الصومال الغربي، وصولًا إلى نشأة التنظيم الموسّع لحركة المحاكم الشرعية ـ الإسلامية، لم يختف ولو لبرهة واحدة، النَّفَسُ القبلي الذي حدد بصورة حازمة طبيعة التحرّك والممارسات السياسية أو العسكرية لتلك التنظيمات. وكان ذلك وراء الإخفاق والفشل لكل محاولاتها لتحقيق قدر من السيطرة والنفوذ على رقعة ما على أرض البلد المقسّم. نتحدث عن بلد لا تجد الأطراف السياسية، سواء كانت ذات خلفية «عرْفية/قبلية» أو «مدرسية/إسلامية»، أي حرج في إظهار أسوأ صور التحيّز القبلي أو التعصّب للتأويل والاجتهادات المتطرّفة. وهكذا تكاد كل الأطراف في الساحة السياسية والدينية والقبلية تظهر في أرض الواقع كونها تابعة بصورة أو بأخرى لمؤثرات ليست ذات صلة وثيقة بالمبادئ المعلنة، أو الخطاب السياسي أو الدعوي الذي تحاول اكتساب الأتباع عبره.

أي شريعة؟

وليس عصياً على المتابع ادراك مقدار التجاوزات الجسيمة في حقِّ القيم الدينية الكبرى (مقاصد الشريعة الخمسة)، بل وما يتعدّاها إلى المخالفة الصريحة للنصوص الدينية، روحاً ومبنى، بشكل يدفع فئات عريضة من الشعب للانكفاء عائدة للانضواء تحت الخطاب «الفئوي» القبلي الموغل في شيطنة الغرماء المنافسين وانتمائهم القبلي، كوسيلة لابتزاز الفئات الموسرة من ناحية، وتجنيد الفئات الشبابية من الفقراء والمعدمين من ناحية أخرى. انها خلطة هلامية وشائكة: هناك الانشقاق الذي تعيشه «»حركة الإصلاح في القرن الإفريقي»، وهيمنة جناح «الدم الجديد» على الحكومة الفيدرالية (بما يصفه البعض بحكومة الظل)، والصراع الإعلامي الذي بلغ حداً من الانحطاط بينهما، وتداعي جميع الأطراف الإخوانية في الصومال لاكتساب الشرعية من خلال الحصول على بركة المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر، قبل أحداث 30/06، إضافة لوجود تنظيمات لا تبتعد في اسمها عن اسم «الإصلاح» نفسه في الوقت الذي تُظهر فيه حميمية شديدة تجاه بعض قيادات الحزب الإسلامي، وهو الحليف الوثيق حتى وقت قريب لحركة الشباب المجاهدين، المنضوية بدورها تحت تنظيم القاعدة… فكيف لكل هذا أن يلعب دوراً سياسياً إيجابياً يُذكر، لاسيما وأن «بطاقتها» الشعبية لرابحة دائما تتمثل بدعواها العاطفية القديمة الى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، بالشكل الذي تراه ملائماً، مع ما يحمله ذلك من احتمال صراع مفتوح بين أطراف الطيف الإسلامي حدّ ممارسة الاغتيال والتصفية المتبادلة… وكل ذلك في سبيل الشريعة ذاتها التي لأجلها يتم تفجير المدنيين الأبرياء بشكل شبه يومي!

الحركات القائمة مشكلة

وعلى الرغم من غياب أي تجريم واضح وصريح من قبل المقامات الإعلامية والدينية في العالم العربي لما تقوم به حركة الشباب المجاهدين في الصومال، فإن الجو الشعبي العام يبقى مناهضا للمسلك الدموي للحركة، بما يجعل حيّز المناورة لديها ضيِّقًا، لا يتجاوز الخدمات مدفوعة الثمن نقداً، أو التعاطف القبلي الآني من قبل البعض مع أفراد من عشائرهم ذوي المراكز القيادية في ذلك التنظيم. ومن جهة اخرى، تبقى «حركة الإصلاح في القرن الإفريقي» اللغز الأكبر من بين الأطراف، وتحوم حولها الكثير من علامات الاستفهام، بحيث يصعب استيعاب توجهاتها وطريقة عملها. ففي الوقت ذاته الذي استطاع جناح «الدم الجديد» الدخول بقوة ضمن أروقة صنع القرار في العاصمة مقديشو، لم يصدر ردٌّ واضح من قبل حركة «الإخوان المسلمون» الصومالية، حيال ما تم نقله على الهواء مباشرة من النوايا المصرية ـ في ظل مرسي ـ من «استخدام» الصومال وجيبوتي وإرتريا كمنصة لمحاربة دولة جارة لصيقة، في سبيل ضمان الحصة المصرية من مياه النيل. ولم يكن ردُّ الفعل الحكومي الصومالي، الذي أعلن أنه ضد أي محاولة لزعزعة أمن المنطقة واستقرارها، العليل أصلًا، سوى استجابة لضغط إثيوبي شديد. إذ تملك الحكومة الإثيوبية دون عناء اسقاط الحكومة الصومالية، وعرقلة الجهود الدولية لإعادة تجميع الكيان الصومالي بصورة قد تهدد آمال الدول الكبرى في إيجاد شريك صومالي قادر بالحد الأدنى على الوفاء بالالتزامات التي سيفرضها الاستثمار الدولي لثروات البلد خلال العقد القادم. كل ذلك في ظلِّ صمت أجنحة حركة الإصلاح، التي أوغلت في الترويج لموقفها المؤيّد للاحتجاجات في «رابعة العدوية» والمحافظات، ما أثار الشكِّ حول عدم وجود تغيير يُذكر في ما كان معروفاً من تبعية التيارات السياسية الدينية في الصومال لأطراف الخارجية، سواء في بعض بلاد وادي النيل أو في الجزيرة العربية.

اقتباس | Posted on by | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

الصومال: دور محتمل للمهمشين!

951_365292

المصدر: السفير العربي

5/6/2013

موقف حدث في حي ككل الأحياء، ضمن مدينة ككل المدن الصومالية الواقعة في أي من أقاليم البلاد الخمسة، القديمة أو المستحدثة: يحكى أنه في يوم من الأيام، طرق باب أحد البيوت رجلٌ متدّينٌ، ففتحت له صاحبة البيت الباب حاسرة الرأس، فارتبك الرجل وعاتبها أنه ما هكذا تخرج المرأة المسلمة لتردّ على غريب بالباب، فردّت عليه قائلة: ألستُ في “عرفكم” أقل مقاما من أن تكون لي عورة في الدين؟! لا شكّ في أنَّ الرجل صُدِم لحظتها بعد أن انكشف له مقدار النفاق الذي يحمله مجتمع كامل، يدّعي أنه متمسّك بدين يدعو إلى المساواة. وهكذا طارت الحكاية آلاف الأميال من فم ذلك المتديّن، لتستقر على كل لسان. فإلى ماذا تنتمي تلك المرأة التي رمت في وجه الرجل بملامتها تلك؟؟

العرف القبلي قبل كل شيء

الموضوع شديد الحساسية في مجتمع ما زال العرف القبلي مقدّما على كل شرعة أو قانون، ما يجعل نسبة كبيرة من الكتّاب والمثقفين الصوماليين تتجنب الحديث عنه بصورة جدية، تعبّر عن التزامٍ بدعم قضية بهذا الحجم في رسوخها الممتد لعدة قرون. تلك القضية التي إن وُجد لها حل عادل، فإنها قد تؤدي إلى تغييرات مهمة، على مستويات تتجاوز الاجتماعي إلى الاقتصادي والسياسي، خاصة وأن الممارسة السياسية قائمة في كل مناطق البلد على المحاصصة القبلية. وهذه من الهشاشة بحيث تفترض إبقاء مئات الآلاف من الناس خارج نطاق السياسي، سوى بالقدر الذي يحقق حشد الأصوات، أو ضمان الهدوء اللازم لمواجهة الخصوم “ذوي المكانة والشأن”!

فئة “غبويي” المضطهدة

فمن هم أولئك البشر المعرّضون لامتهان وظلم دائمان، وما سرّ كل ما يمرون به من إساءات واستضعاف، بينما قلّما وجه وجهاء ومثقفي ومتديني الفئات الأخرى الدعوة لإنصافهم. أنهم فئة الـ”غبويى/Gabooye”، وهم يعتبرون في مجملهم سادس أكبر تجمع قبلي صومالي، ويتألفون من أربع قبائل، منها قبيلة “مديبان/Madhibaan” وهم الأكثر عدداً وانتشاراً. ومع عدم وجود أرقام دقيقة لإحصائهم، فإن وجودهم البشري الملموس في معظم المناطق والمدن الصومالية يشير إلى أنهم بضع مئات من الآلاف. وهناك قبيلة “تُمال/Tumaal” والمقدر عديد أبنائها بثلاثين ألفا تقريبا، والمعنى الحرفي لاسمهم هو “الدقَّاق”، لامتهانهم الحرف المعدنية، كصناعة الأسلحة التقليدية والأواني. وأما قبيلة “موسى دريو/Muuse Dhariyo” ذات الأصل العربي، والتي تعرّضت للاستضعاف والامتهان، وقبيلة “يبر/ Yibir” التي تقول المرويات بأصولهم اليهودية القديمة، فعلى الرغم من اتحادهم القسري في طبقة، وما أدى إليه ذلك من تصاهرهم الداخلي، فإنه لا يوحّدهم سوى القهر الذي يتعرّضون له. وهم أصحاب الحرف الأقدم في البلاد، والمسخّرون للقيام بالأعمال التي يأنف منها البدوي الصومالي، كدباغة الجلود وصناعة الأحذية والحلاقة والعرافة والتنجيم. وهم على ذلك يعود تاريخ معظمهم على أرضها إلى ما قبل مرويات وأساطير نشأة معظم القبائل الأخرى في بلاد الصومال. وأما سبب مهانتهم الفعلية فمردود الى حكايات هزيلة تجعل من يسمعها للمرّة الأولى يسأل نفسه: “إن كان رجلٌ ما أو أفراد أسرته قد ارتكبوا خطيئة أو خطاً في زمن سابقٍ لنا بقرون طويلة، فأيٌّ عقل أو ضمير يقبل بإهانة أو عزل وتهميش أحفاد أحفاد أحفادهم بعد كل تلك الدهور؟!”.

رب ضارة نافعة؟

ليس خافياً على المتتبعين للشأن الاجتماعي الصومالي، أن جريمة الإهانة اليومية المرتكبة في حق أولئك الناس من الفداحة بحيث تسببت في إيثارهم العزلة ضمن أحيائهم. وقد نشأ عن ذلك عزوفهم عن ممارسة الأنشطة الاقتصادية التقليدية والمربحة، كما أدّى إلى ارتفاع وتيرة تسرّب أطفالهم من العملية التعليمية، ليكون الشلل شبه التام هو ما يعانيه ذلك القطاع غير البسيط من المجتمع الصومالي، بصورة تجعل المستقبل الإجمالي للشعب الصومالي يرزح تحت عامل آخر مصطنع، يؤخر أي أمل له بنهوض متوازن وسليم.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه من غير المنطقي كذلك أن تقوم فئات أخرى من المجتمع بالتصدي لشأن استعادتهم لمكانتهم الطبيعية كمواطنين كاملي الحقوق وبشر لهم من التقدير والمقام ما ليسوا بحاجة لخوض معارك يومية لانتزاعه من مجتمع عنيف يكبّله الجهل والتقاليد. لذا فإن مقاربة تلك المعضلة الاجتماعية تحتاج إلى فتح المجال لهم للتعبير عن مطالبهم، دون وصاية أو تسييس أو استغلال. و هو ما يدعو إليه الناشط “عدنان حرسي” في وثيقته ذات النقاط الخمس، والتي يحاول من خلال وضعها بين أيدي الجميع، أن يُفتح حوارٌ حول تلك الحلقة المفرغة التي يدور فيها كل جهد يُبذل باتجاه تصحيح الأوضاع، شأن تبدد كل صوتٍ يرتفع هنا أو هناك من قِبَل أبناء تلك الطبقة، يتناول معاناتها، والتي تحمل شأن بقية فئات الشعب بذور الخلاف المزمن الناتج عن اختلاف الانتماء الأبوي، والتفاوت في التقاليد والظروف السياسية للأقاليم الصومالية التي لا يخلو أياً منها منهم. ومن خلال ما يصفه الناشط “حرسي”، فإن الضرر قد وقع فعلًا. لكن المطلوب التعامل معه بشكل يوقف مفاعيل الممارسة اليومية للتفرقة والتحقير، واعتبار كل يوم جديد فرصة في تصحيح الوضع، من حيث إيقاف حالة استثناء تلك الفئة من المجتمع من الحصول على حقها في أن تُعامَل وفقًا للقيم الدينية والأخلاقية التي يتغنى بها المجتمع، محملاً مسؤولية كبيرة لعلماء الدين والأفراد من أصحاب الالتزام الديني، في الدعوة إلى ذلك وضرب المثل لبقية المجتمع في السبيل الصحيح للتطبيق.
إلّا أن “حرسي” لا يستثني أحدًا من المسؤولية، مطالبا أبناء الفئات المهمّشة بالعمل بجدية لتجاوز كل العوائق النفسية التي تراكمت خلال القرون الماضية، ليكونوا ناشطين “كلٌ” في البقعة التي ينتمي إليها، لتحقيق هدفين رئيسيين: أولهما سحب البساط من تحت كل من يستفيد من عزوفهم عن المساهمة في العمل الاجتماعي والعام، بصورة تملأ الفجوة الهائلة بين فاعليتهم وحجمهم السكاني، وثاني تلك الأهداف أن يتم قلب واقع التهميش في كل مكان، إلى عامل يساهم في حلحلة المشاكل والتوترات بين المناطق والأقاليم الصومالية المختلفة، كونهم منتشرين، ومنذ فترة طويلة، في كل بقعة من شبه الجزيرة الصومالية دون استثناء. وهكذا فقد يحولون وجودهم خارج التوازنات الصراعية الى ميزة لتجاوز الصراعات، وتهدئتها.

اقتباس | Posted on by | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | تعليق واحد

الصوماليون في سوريا متروكون

862_545193

المصدر: السفير العربي
5/5/2013
القلق الذي يشعر به آلاف الصوماليين اليوم على بناتهم وأبنائهم العالقين في خضم الأحداث الدامية في سوريا، يستحضر السيناريو المأساوي الذي عاشه المئات من الصوماليين في ليبيا. إلّا إن ما يؤجج الغضب الشعبي فعليًّا، هو عدم اتخاذ السلطات أية خطوات ملموسة تتناسب مع الاستغاثات التي أرسلها أبناء الجالية في دمشق، والدعوات والمناشدات التي أطلقتها منظمات المجتمع المدني الصومالي، كالملتقى الوطني للشباب الصومالي وغيره، وذلك على الرغم من وقوع ضحايا صوماليين (ثلاثة قتلى) ووجود جرحى.
ولم يكن بؤس رد الفعل الحكومي تجاه حوادث القتل هو آخر الأمر، بل واجه الناشطون المدنيون والإغاثيون الصوماليون حملة تكميم أفواه، وتهديد بالوشاية بهم للأمن السياسي السوري، تحت حجة الدعاية المضادة للنظام من قبل القائمين على السفارة الصومالية في دمشق. ومع التغييرات الكبيرة في الدولة الصومالية، إثر انتخاب الرئيس الجديد، تجدد الأمل لدى أبناء الجالية الصومالية في سوريا، وكذلك للناشطين المدنيين الصوماليين، في إمكان السير باتجاه إقامة جسر لخروج العاجزين عن تحمّل الأعباء المالية اللازمة من مناطق الاشتباك. خاصة بعد ما بدا من نمو العلاقات بين الحكومتين الصومالية والتركية. قد فتح هذا بصيص أمل بالتمكن من مغادرة سوريا، إثر امتناع السلطات اللبنانية والأردنية عن السماح للصوماليين حتى بالمرور برًّا إلى المطارات والمنافذ. كما أن المرور عبر العراق ليس متيّسرًا نظرًا للنزوح المعاكس الذي قام به مئات الآلاف من العراقيين باتجاه وطنهم، والأحداث الأمنية على الحدود السورية العراقية، وبالطبع عدم ورود الخيار الإسرائيلي في مخيّلة الصوماليين. غير القادرين على تحمل أعباء المغادرة من الصوماليين، وقد غدوا بضع مئات، أملوا أن تتكفل بهم حكومتهم بالاتفاق مع الحكومة التركية، لضمان وصولهم الآمن لأراضيها، ومن ثمّ إعداد ما يلزم من توطينهم الموقت ريثما يتسنى إعداد التمويل الكافي لنقلهم إلى وطنهم الأم، أو إلى حيث يستطيعون متابعة حياتهم من دون هدر لكرامتهم أو تهديد لسلامتهم. وقد تكررت حوادث اغتصاب النازحات الصوماليات اللائي كنّ ضمن من حاول الفرار إلى تركيا بطرق غير شرعية.
ومن خلال الجهود التي تم بذلها من قبل إحدى منظمات المجتمع المدني، أمكن إعداد شكل من التنسيق بين السفارتين الصوماليتين في كل من دمشق وأنقرة. لكن تحالفًا مؤسفًا للامبالاة وعدم الكفاءة أدى إلى أزمة إنسانية ما زلت فصولها متتابعة. فسوء الإعداد قاد إلى رفض السلطات التركية إدخال أربع أسر، مكوّنة من اثنين وعشرين طفلا وامرأة، يرافقهم أربعة من الشباب بعضهم ناشطون مدنيون، ما تسبب في تركهم في العراء قرب الحدود لمدة ثلاثة أيام، وليتم نقلهم بعد ذلك مباشرة إلى سجن الترحيل، حيث أبلغ النازحون عن استغلالهم في أعمال سخرة لدى المسئولين عن مكان احتجازهم، ناهيك عن إعلامهم بـ”نيّة” السلطات التركية ترحيلهم إلى الصومال على نفقتهم، وهم غير قادرين على تأمين ثمن تذاكر السفر.
اللاجئون الصوماليون في سوريا يجدون أنفسهم في خطر، ولا تختلف ظروفهم عن الافراد الستة والعشرين المعتقلين في الأراضي التركية. فإلى متى تتقاعس الحكومة الصومالية، ممثلة بوزارة خارجيتها، عن القيام بدورها في حماية أبناء شعبها الذي عانى بما فيه الكفاية؟!

اقتباس | Posted on by | Tagged , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

هل هناك عصر ذهبي اسلامي؟

عصر إسلامي ذهبي

عصر إسلامي ذهبي

سألني صديق عزيز ذات يوم ما هو العصر الذهبي الاسلامي؟ وهل هناك عصر من عصور وعهود الدول والممالك والامارات الاسلامية المتعاقبة يمكن اعتباره العصر الذهبي الاسلامي؟ قلت لصديقي لا أعرف عصرا ذهبيا بالمعنى النموذجي، لا أعرف عصرا من العصور الاسلامية المتعاقبة ازدهرت فيه كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية للدولة الاسلامية في آن واحد.

عمر حسن جامع

عمر حسن جامع

ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة في الفترة المدنية، وصلت الامة الاسلامية الى قمة رقيها السياسي والعسكري والاجتماعي، لكن الحالة الاقتصادية كانت سيئة جدا وكتب السيرة تغنينا عن التفاصيل. أما في عهد الخلفاء الراشدين فقد انخفض مستوى الاستقرار السياسي ووقعت حروب الردة وكذالك الفتن التى وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم في أواخر عهد الخليفة عثمان بن عفان وبداية عهد الخليفة على ابن أبي طالب رضي الله عنهما، لكن الحالة الاجتماعية والأخلاقيات العامة لم تتغير ومجتمع النبوة كان لا يزال حيا بكل ميزاته ومثاليته، أما الحالة العسكرية فكانت مثلما تركها الرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تتغير للأفضل حيث كانت جيوش المسلمين تضرب في الشرق والغرب وتدك حصون وقلاع الروم والفرس

. وفي عهد بني امية فقد ألغي مبدأ الشورى وحل محل الخلافة الراشدة ملك عضود وقمعت كل الأصوات المعارضة وصودرت الحقوق والحريات وسجن وقتل العلماء ووصل الاستقرار السياسي والاجتماعي الى مستويات مخيفة وفي الجانب الآخر بلغت اتساع دولة المسلمين ذروتها في العهد الأموي حتى لقبها البعض بدولة الفتوحات، واهتمت الدولة الأموية بالفتوحات وتطوير الجيوش الاسلامية حيث بنوا أول اسطول بحري اسلامي.

واهتم العباسيون بالعلوم والثقافة واتسم المجتمع الاسلامي بالأنفتاح الفكري، مما أدى الى ثورة تقافية عملاقة، تطورت فيها العلوم الطبيعية، والفلسفة، والأدب، والفنون، والعمارة، وسمي العصر العباسي بالعصر الذهبي للحضارة الاسلامية. لكن في المقابل فأن الحالة السياسية لم تكن افضل من سابقتها في الدولة الأموية، فالشورى ما زالت ملغية الى اجل غير مسمى وتسلط الحكام والولاة والصراع على السلطة اصبح أمرا معتادا، وقمع المخالفين سواء في الفكر او المذهب او المعارضين لنظام الحكم كانت الصفة السائدة في العصر العباسي.

بعد هذه النظرة السريعة على التاريخ الاسلامي توصلنا أنا وصديقي الى نتيجة حتمية ومنطقية، وهي أنه لم يكن هناك عصر ذهبي بالمعنى الكلي، لكن هناك عصور مختلفة وظروف مختلفة أبدع فيهما المسلمون في مجالات مختلفة وأخفقوا في مجالات أخرى.

عملة من العصر العباسي

عملة من العصر العباسي

هنا قاطعني صديقي بسؤال ذكي جدا قائلا: إذا لماذا يحن المسلمون للعودة اإلى ما يسمونه بالعصر الذهبي الاسلامي؟ ولماذا يعتقدون أن حل مشاكلهم يكون بالعودة لتلك العصور؟ الجواب هو أن العودة ليست عودة حسية وإنما عودة للمبادئ والمفاهيم والقيم الإيجابية التي سادت في تلك العصور وأدت الى تفوق المسلمين سياسيا وعسكريا وثقافيا واجتماعيا وقيادتهم للعالم لقرون طويلة.

جل ما يريده المسلمون هو العودة لمكانتهم الحضارية في قيادة العالم ويشعرون بمسؤولية كبيرة تجاه العالم وانقاذه، ولديهم في تاريخهم ما يؤهلم لتحمل هذه المسئولية من رصيد علمي وثقافي وفكري وأدبي.

 

المؤلف:

عمر حسن جامع ولد في مدينة هرجيسا، أتم المراحل الدراسية في مدينة هرجيسا. يعيش الآن في بنغلاديش حيث يدرس فيها المرحلة الجامعية كلية هندسة الحاسوب, يهوى القراءة والكتابة في السياسة والأدب والتاريخ.

اقتباس | Posted on by | تعليق واحد

الصوماليون في سوريا متروكون

الدمار-في-حمص

المصدر: السفير العربي

القلق الذي يشعر به آلاف الصوماليين اليوم على بناتهم وأبنائهم العالقين في خضم الأحداث الدامية في سوريا، يستحضر السيناريو المأساوي الذي عاشه المئات من الصوماليين في ليبيا. إلّا إن ما يؤجج الغضب الشعبي فعليًّا، هو عدم اتخاذ السلطات أية خطوات ملموسة تتناسب مع الاستغاثات التي أرسلها أبناء الجالية في دمشق، والدعوات والمناشدات التي أطلقتها منظمات المجتمع المدني الصومالي، كالملتقى الوطني للشباب الصومالي وغيره، وذلك على الرغم من وقوع ضحايا صوماليين (ثلاثة قتلى) ووجود جرحى.
ولم يكن بؤس رد الفعل الحكومي تجاه حوادث القتل هو آخر الأمر، بل واجه الناشطون المدنيون والإغاثيون الصوماليون حملة تكميم أفواه، وتهديد بالوشاية بهم للأمن السياسي السوري، تحت حجة الدعاية المضادة للنظام من قبل القائمين على السفارة الصومالية في دمشق. ومع التغييرات الكبيرة في الدولة الصومالية، إثر انتخاب الرئيس الجديد، تجدد الأمل لدى أبناء الجالية الصومالية في سوريا، وكذلك للناشطين المدنيين الصوماليين، في إمكان السير باتجاه إقامة جسر لخروج العاجزين عن تحمّل الأعباء المالية اللازمة من مناطق الاشتباك. خاصة بعد ما بدا من نمو العلاقات بين الحكومتين الصومالية والتركية. قد فتح هذا بصيص أمل بالتمكن من مغادرة سوريا، إثر امتناع السلطات اللبنانية والأردنية عن السماح للصوماليين حتى بالمرور برًّا إلى المطارات والمنافذ. كما أن المرور عبر العراق ليس متيّسرًا نظرًا للنزوح المعاكس الذي قام به مئات الآلاف من العراقيين باتجاه وطنهم، والأحداث الأمنية على الحدود السورية العراقية، وبالطبع عدم ورود الخيار الإسرائيلي في مخيّلة الصوماليين. غير القادرين على تحمل أعباء المغادرة من الصوماليين، وقد غدوا بضع مئات، أملوا أن تتكفل بهم حكومتهم بالاتفاق مع الحكومة التركية، لضمان وصولهم الآمن لأراضيها، ومن ثمّ إعداد ما يلزم من توطينهم الموقت ريثما يتسنى إعداد التمويل الكافي لنقلهم إلى وطنهم الأم، أو إلى حيث يستطيعون متابعة حياتهم من دون هدر لكرامتهم أو تهديد لسلامتهم. وقد تكررت حوادث اغتصاب النازحات الصوماليات اللائي كنّ ضمن من حاول الفرار إلى تركيا بطرق غير شرعية.
ومن خلال الجهود التي تم بذلها من قبل إحدى منظمات المجتمع المدني، أمكن إعداد شكل من التنسيق بين السفارتين الصوماليتين في كل من دمشق وأنقرة. لكن تحالفًا مؤسفًا للامبالاة وعدم الكفاءة أدى إلى أزمة إنسانية ما زلت فصولها متتابعة. فسوء الإعداد قاد إلى رفض السلطات التركية إدخال أربع أسر، مكوّنة من اثنين وعشرين طفلا وامرأة، يرافقهم أربعة من الشباب بعضهم ناشطون مدنيون، ما تسبب في تركهم في العراء قرب الحدود لمدة ثلاثة أيام، وليتم نقلهم بعد ذلك مباشرة إلى سجن الترحيل، حيث أبلغ النازحون عن استغلالهم في أعمال سخرة لدى المسئولين عن مكان احتجازهم، ناهيك عن إعلامهم بـ”نيّة” السلطات التركية ترحيلهم إلى الصومال على نفقتهم، وهم غير قادرين على تأمين ثمن تذاكر السفر.
اللاجئون الصوماليون في سوريا يجدون أنفسهم في خطر، ولا تختلف ظروفهم عن الافراد الستة والعشرين المعتقلين في الأراضي التركية. فإلى متى تتقاعس الحكومة الصومالية، ممثلة بوزارة خارجيتها، عن القيام بدورها في حماية أبناء شعبها الذي عانى بما فيه الكفاية؟!

 

اقتباس | Posted on by | أضف تعليقاً

وظائف «القاران»، أو صندوق العشيرة في الصومال.. ومشاكله

unnamed-14-600x350

المصدر: السفير العربي
قال أحد حكماء الصومال لما رأى حال شعبه: «أغلى ما لدى الصومالي في الحياة ثلاثة أمور، الإسلام وقطيع الإبل، وابن العم. فإن خيّر بين أن يدع واحدة ويحتفظ باثنتين، خالف الدين واحتفظ بالإبل وابن العم، وإن خُيِّر بين الإبل وابن العم، تخلّى عن الإبل واحتفظ بابن العم، بل وإن خُيّر بين حياته ـ ذاتها ـ وابن عمّه، ضحّى بها وفضّل ابن العم!»

البنية والعرف

الصوماليون في جلّهم مجتمعٌ بدوي، فرض تنقلهم الدائم مرونة كبيرة في البنية الاجتماعية القائمة على روابط مبنية على العصبية، شأن شعوب كثيرة بالمشرق. ومع ازدياد الاعتماد على الرعي كمصدر أول رئيسي للدخل واستمرار الحياة، محوره القطيع المكوّن من الإبل بشكل رئيسي، والأغنام والماعز بدرجة أقل، بقي الفخر بالأنساب والثروة الحية معياراً أساسياً في مكانة الفرد والجماعة ضمن المحيط.68eed7b46a9d46cbc25c6b7f4918ad49
وقد كان بروز القانون العرفي الصومالي (حير دريد/Xeer Direed)، في فترة سبقت ظهور الإسلام ببرهة من الزمن، عاملا رئيسياً في وضع الحجر الأساس لتنظيم العلاقات بين الفرد والفرد، والفرد والجماعة، والجماعة والجماعة من الصوماليين، ليكون محور العلاقة الرابط الدموي، «النسب»، يليه الحلف والتصاهر والخؤولة، فينقسم المجتمع بناء على ذلك الإطار، إلى مجموعات دافعي «الدية» التي تفرض التضامن بينهم إلى حدّ التفاني.
الترتيب الاجتماعي المبسّط، يبدأ بمجموعة أسر ذات «أبٍ» واحدٍ، يتضامن أفرادها، صعوداً إلى مجموعة عشائر متضامنة، وصولا إلى القبائل التي ترجع لـ«جد أكبر» واحد، سواءً كان ذلك الجد حقيقيًّا أو تم «تركيب» المرويّات عنه ليضمن القادة دوام اللحمة بين كل من ينضوي تحت أبوته المعنوية.

التضامن كشرط للحياة

وعلى الرغم من ارتفاع مستوى التعليم والهجرة، التي قادت لاحتكاك الصوماليين بشعوب ذات تراث حضري أشدَّ قدماً، أو أكثر مدنيّة وابتعادًا عن الروابط العصبية الأبوية، فإن توالي الاضطرابات في الموطن الأم، كان السرّ في استمرار العمل بالقانون العرفي، الذي يوجب على كل «ذَكَرٍ» ذي دخل ثابت أو غير ثابت، المساهمة في صندوق تضامن العشيرة، «القاران»، بحيث يتم تسديد تلك المساهمة بصورة شهرية، من دون انقطاع أو تأخّر، إذ قد يكون من المضرّ بمكانة الفرد أو الجماعة عدم الوصول لأقصى درجات الانضباط والمبادرة في تأدية مساهمتها لدى «أودَيْغا تُلكا» (كبير القرابة) في البقعة الجغرافية التي هم فيها. ويصل الانضباط تجاه الأمر حدّ أن يقوم القادر منهم بتسديد الالتزامات العرفية للأقرببن العاجزين عن السداد، وإن كانوا في غير البلد الذي يقيم فيه، حفاظًا على اكتمال الـ«نِصاب» المقرر على تلك العائلة أو العشيرة من تلك المسؤولية، عند حدوث ملمّة أو وجود طارئ، أو ما يخرج به اجتماع ممثلي العائلات والعشائر في سبيل مشاريع تنموية، كبناء المدارس أو المستوصفات.
وقد تكون الميزة الأساسية لنظام التضامن القائم هذا، حفظ كرامة من تعرّض لخسارة فادحة مفاجئة، كالحوادث والأمراض التي تقعد المرء عن العمل، فيتم من خلال تلك الترتيبات ضمان معونة مقررة، أو تسهيل سفره للعلاج أو مغادرته وأسرته بلد الاغتراب إلى الوطن، أو سداد باكر لـ«ديات» الضحايا في حوادث السير مثلا، خاصة تلك المضمونة من قِبَل مؤسسات التأمين في الخارج.

أين سلطة الدولة في كل هذا؟

لكن الصورة ليست دائمًا بتلك الروعة. فلكل تدبير اجتماعي مماثل، بما له من اتساع كبير وتماسك غاية في القوة متأتٍ مما يجده من شديد الانضباط، له إذاً نتائج سياسية كبيرة، فهو يسبب وعيا عميقا لدى المنضوين تحته بقدرتهم الجمعية الهائلة، التي تؤمّنُ شعورا غامرا بالاستقلالية عن أي تكوين سياسي قد يجمعهم مع غيرهم، ممن هم خارج رابطتهم العصبية تلك. وهذا يؤدي إلى جعل إقرار سلطة الدولة في المناطق الأكثر إلتزاما بـ«العرف» أمرا غاية في الصعوبة، وعالي الكلفة سياسياً واقتصادياً. ويؤدي في النهاية لصعود سياسيين متكئين في مكاسبهم الوظيفية ونفوذهم، على التضامن القبلي الذي يترأسه القادة التقليديون، الذين يكونون بالفعل أمناء على سير العمل به ـ أي العرف ـ من دون تحقيقهم مكاسب مالية تُذكر، خارج ما يحصلون عنه من هِبات يتم إقرارها ضمن اجتماعات القبيلة عامة، او الهدايا التي يقدّمها لهم أثرياء القوم. ألا يصبح من اليسير على السياسيين الانتهازيين، تقديم وعود بالمزيد من المكاسب الاقتصادية لأولئك القادة ـ لكن هذه المرّة على حساب موارد الدولة ـ بعيدا عن مراجعات أبناء القبيلة وتقديراتهم التي تحرص على «المصلحة العامة للرابطة»، من دون أن يكون لدى الدولة «الضعيفة» ذاتها، امتياز بأن تجد من يحرص على «المصلحة العامة لها» من بين كوادرها الآتين إليها ـ أساسا ـ بناء على قوّة قبائلهم وترابط أبنائها. علاوة على مسألة غاية في الخطورة، هي تأجيج أعمال الثأر بين الفينة والأخرى، خاصة وقد انطوت صفحة الحروب القبلية المفتوحة، لارتفاع فاتورتها، التي ثبت فوق كل ذلك أنها غير مجدية في تحقيق المصالح السياسية. كيف؟

الدية

ثمة حاجة منطقية أو موضوعية دعت لقيام صناديق التضامن (الـ«قاران» تلك)، والتي كانت أساساً لتغطية الكلفة العالية للـ«دية»، في حال قيام أحد أبناء القبيلة بقتل إنسانٍ ما خطأً. لكن اتساع نطاق «مجموعات الدية» التي تقوم بالتعاضد في تسديد الالتزامات المترتبة على القتل الخطأ، حملت على استسهال مسألة جمعها، كبند روتيني شهري أو شبه شهري، مؤديا بالنتيجة إلى اتساع دائرة الحالات التي تشملها، متجاوزة حالات القتل «الخطأ» إلى القتل «العمد»، ومن ثمَّ حماية القاتل المُجَرَّمِ، عبر تسديد ما يتم الحكم به من التعويض لأولياء دم الضحية مهما بلغ الأمر. بل وأصبح مُتبعًا في حال تعثر «المحادثات» حول المسألة، أو طول أمدها، تهريب القاتل لبلد مجاور ومن هناك إلى الغرب، في سلوك صلِفٍ خارجٍ على روح العرف ونصّه، ناهيك عن مخالفته الصريحة للشرع في ظلّ ضعف الدولة أو غياب القانون.
وبين إحسان أو إساءة استخدام ذلك التدبير الاجتماعي الملزم لفئات كبيرة من المجتمع الصومالي، يصبح من الملحِّ إدراك حجم التأثير الذي يحمله، خاصة لو علمنا أن صناديق التضامن القبلية، كانت مصدر التمويل الرئيسي لِما تمّ من أنشطة سياسية وعسكرية أدت إلى إسقاط النظام الدكتاتوري في مطلع التسعينيات. كما غذت تلك الصناديق لاحقًا التناحر القبلي والتوترات السياسية والميدانية في بقاع متعددة من الصومال، بما يجعل الدعوة لترشيد العمل بنظام التكافل ذاك، امرًا لا بدّ منه لتحقيق المصلحة الوطنية العامة للشعب الصومالي، بحيث نصل إلى صيغة عمل تحدد بنود صرف تلك الأموال، بما يعزز السلم الأهلي والتنمية، والحد من تحوّلها إلى وسيلة للخرق الجماعي للقانون، أو مورداً لا ينضب من المال السياسي الذي يرسّخ الفساد ويعيق جهود استئصاله.
وهذا نموذج عن «التحوّر» الذي يصيب الظواهر الاجتماعية، ما ينفي عنها صفة الثبات وامتلاك «جوهر»… كما كل شيء يخص المجتمعات الانسانية. فهذا التحور لا يحدث بفعل فاعل أو كنتيجة لتخطيط أو مؤامرة ما، بل يقع رويداً وببطء، بفعل الواقع ومرور الايام وتفاعل معطيات متعددة فيما بينها، منها ما ينتمي الى الظروف، ومنها ما ينتمي الى حركية البنى الاجتماعية والقوى التي تمثلها.

اقتباس | Posted on by | أضف تعليقاً

التعليم الجــــامعي فــــي الصومال


المصدر: السفير العربي

واحد وستون جامعة أصبحت منتشرة في البلاد، بددت أي شعور بالاحتياج للمزيد منها منذ انهيار المؤسسات التعليمية، بعد سقوط الدولة بداية التسعينيات. يقول أحد الأكاديميين ان الأوضاع أصبحت لا تطاق، إذ يكاد المرء «يتعثّر» بالجامعات لكثرتها في البلاد، وأصبح لا يفصل بين بعضها سوى أمتار قليلة.

تكاثر الجامعات برَكة؟

هكذا أصبح الحال في الصومال، حتى تكاد حالة الـ«لادولة» تعتبر برَكة نزلت من السماء على التعليم الخاص في جميع أنحاء البلاد، إذ غدا افتتاح جامعة أو أي مؤسسة تعليمية أيًا كانت المرحلة التي تغطيها، رهنًا بإرادة أبناء المنطقة، وما يبديه الأكاديميون، من أبنائها وأثريائها، من رغبة في تأسيس ودعم مؤسسة من ذلك العيار، لتأمين فرص التعليم لتلاميذ وطلّاب من أطفال السكان وشبيبتهم. فبعد أن كان التعليم حكرا على الدولة، بما لا يتجاوز أصابع اليدين، من مراكز التعليم الجامعي والمعاهد التقنية والمتوسطة والدنيا، أصبح مطلبا ملحا إيجاد بديل سريع يملأ الفراغ الذي خلقه غياب الرعاية الحكومية، وتدارك الدمار الذي لحق بالمرافق التعليمية، والخدمات الملحقة بها، فتم افتتاح جامعة مقديشو في خريف 1997 وتلاها افتتاح جامعة «عمود» بعد ذلك بعام، وراحت مذاك الجامعات تتزايد.

التعليم الخاص في ظل انهيار الدولة

شكّل التعليم الخاص في الصومال البديل الوحيد لاستيعاب جانب مهمّ من مخرجات التعليم الثانوي، في ظلِّ تراجع فرص التعليم خارج البلاد بتعطّل آليات التبادل الجامعي الحكومي مع دول العالم التي كانت في السابق تمنح مقاعد جامعية لطلبة الصومال، بناء على اتفاقات ثنائية مع الدولة، كما أن التعليم الخاص أمّن فرصة لمتابعة التحصيل الجامعي برسوم دراسية ميّسرة، تتناسب كذلك مع الحالة الاقتصادية لكتلة كبيرة من الصوماليين، متيحة للطلبة أن يستمروا في التحصيل بالقرب من أماكن سكن عائلاتهم، ما خفف الأعباء المالية عن ذويهم إلى حدّ كبير، واتاح كذلك فرص عمل في مجال التعليم الأكاديمي الجامعي والمدرسي، معزّزًا الشعور بالجدوى من استكمال الدراسة في مدارس البلاد، التي تكاثرت بدورها بجهود ذاتية لتغطية ما يمكن تغطيته من احتياجات مجتمع يعتبر الأطفال المكوّن الأكبر عددا فيه.

وجاهة وتجارة

ورغم الإيجابيات التي حملها هذا التوجه الجديد ـ نسبيا ـ نحو التعليم الخاص، إلّا ان ما بدا من تسابق بين المجتمعات المختلفة والأفراد لافتتاح المزيد والمزيد من الجامعات، من دون أن تتوفر البنى التحتية اللازمة، كنوعٍ من الـ«وجاهة» القبلية للتفاخر حينًا، أو الاستثمار المالي المحض من جهة أخرى، قاد إلى تدني في مستوى المتخرجين، الذين لم تمكنّهم ظروفهم المادية من إيجاد بديل عن هذه المؤسسات المجهولة المصداقية، التي تؤمن شكليّات التعليم الجامعي، من حضور لقاعات الدرس والكتب والامتحانات، ومن ثم الحصول على درجة جامعية.
على الرغم من الجهود الهائلة التي قدّمها الروّاد في ذلك المجال، من مساعٍ لتأمين أكاديميين أكفاء لتقديم المواد العلمية للطلبة، والبناء والتوسّع المستمرين في المقرّات والمنشآت الملائمة لتلقي التعليم، ومحاولة الاستفادة من تقنيات الاتصال المتاحة «للدراسة عن بعد» ضمن الحرم الجامعي نفسه، من خلال محاضرات يقدّمها أكاديميون موجودون في مؤسسات تعليمية في العالم كبريطانيا والولايات المتحدة، فإن غياب المكتبات أو ضعف محتواها من المراجع، وعدم توفر الإمكانيات لبناء مختبرات حقيقية لتقديم المواد العلمية وإجراء التجارب، قاد إلى التركيز بالدرجة الأولى على الجانب النظري من ناحية، والى عدم التوازن في الفرص التعليمية المقدمة لصالح التخصصات النظرية كالعلوم الإنسانية وإدارة الأعمال وما يماثلها، مؤديا الى ضعف مستوى التحصيل العملي لدى متخرجي الكليات العلمية وقلّة أعدادهم بشكل كبير.

المنجز والمتبقي

وقد يكون مطمئناً وصول الرئيس حسن شيخ محمود إلى السلطة، وهو أكاديمي، ومؤسس لجامعة («سيمد» SIMAD) الخاصة، التي خرّجت مئات من الرجال والنساء الذين يتولون مراكز مهمّة في مفاصل الدولة الفيدرالية اليوم. فالحاجة هي الى صدق ما يبدو من الاهتمام الحكومي برفع سويِّة التعليم الجامعي في البلاد جملة، وكذلك لجهة موضع معايير للاعتراف بمؤسسات التعليم الخاص، أو الشروع بتأسيس جامعات حكومية، لا لُبس في استيفائها اشتراطات العمل الأكاديمي ومستلزماته.
هناك نداءات انطلقت باكراً لضبط عملية افتتاح الجامعات في البلاد، وتحديد الإجراءات اللازمة للإعلان عنها واعتمادها، ووضع شروط تضمن توفّر الحد الأدنى من متطلّبات العمل الأكاديمي، للحصول على الاعتراف بها من جهة مؤسسات الدولة الفيدرالية المختصّة بتسجيل تلك الجامعات، والتأكّد من صلاحية وثائق التخرّج الصادرة عن أقسام العمادة والامتحانات فيها. وقد استجاب لذلك المسعى منذ عام 2011 عشر مؤسسات جامعية في محيط العاصمة الصومالية مقديشو، في اجتماع عقدته وزارة التعليم والثقافة والتعليم العالي وهي: جامعة مقديشو، جامعة بنادر، جامعة الصومال، جامعة بلاسما، جامعة حمر، معهد «سيمَد» (سابقًا، وهو جامعة حاليا)، جامعة المحيط الهندي، جامعة جزيرة، كلية البيطرة، جامعة جرين هوب. وورد في تقرير صحافي صدر بعد ذلك بعام، أنّ وزارة التربية والتعليم العالي لحكومة «أرض الصومال»، المعلنة من طرف واحد، أصدرت بيانًا بأسماء الجامعات المسجلّة لديها، فكانت سبع عشرة جامعة.
ما زالت رغم ذلك المهمة غير منجزة: وضع واعتماد مقاييس موحدة وصارمة، وتطبيقها، ليبقى مجال التعليم العالي بعيداً عن التنافس القبلي والجهوي، والتجارة معاً، كرئة يتنفس من خلالها المجتمع الصومالي رانياً الى تجاوز انقساماته ونزاعاته.

كاتب من الصومال somalifuture.wordpress.com

اقتباس | Posted on by | أضف تعليقاً

مفاوضات الصومال وأرض الصومال: رهان على عامل الـوقت

جداريّة في أرض الصومال (من الانترنت)

المصدر: السفير العربي

ينعش الحديث عن المؤتمر المزمع عقده في لندن في شهر أيار/مايو المقبل، التكهنات حول مستقبل البلاد. ويبدو أن هذا المؤتمر سيكون أكبر من سابقه وأكثر أهميّة. ويبرز في السياق إعلان الولايات المتحدة الأميركية اعترافها بـ«شرعية» الحكومة الفيدرالية الصومالية في «مقديشو»، وهو مسعى ديبلوماسي لترسيخ انتهاء الفترة الانتقالية التي عاشتها البلاد على مدى اثنتين وعشرين سنة مرّت.
ما شكل الخارطة السياسية الصومالية المقبلة؟ لا سيما ان مفاوضات تجري مع الدول الكبرى والشركات العالمية لتوقيع اتفاقيات اقتصادية، هي الأضخم في تاريخ الصومال.

الطرف الدولي يعلن نهاية المرحلة الانتقالية
الصومال كانت قد دخلت دوّامة الاقتتال الداخلي بالحرب المفتوحة بين المعارضة المسلّحة ونظام الجنرال محمد سياد بري منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ما أدى إلى سقوط النظام وانهيار الدولة، والى استعار القتال الأهلي في جنوب البلاد، وإعلان جمهورية أرض الصومال في شمالها الغربي. وتشظت الدولة الصومالية الواحدة إلى عدد من الولايات التابعة لها إسميا.
الدعم الدولي للحكومة الفدرالية في الصومال لم يمنع استمرار الطرف الصومالي الآخر، جمهورية «أرض الصومال»، في رفض سيادة تلك الحكومة الفيدرالية جملة وتفصيلاً. والجمهورية هي مالك أكبر قوة عسكرية نظامية في شبه الجزيرة الصومالية، وقد آثرت دائما العزلة عن المساعي الدولية المعلنة على مدى عقدين لتحقيق المصالحة الشاملة في مؤتمرات سلام عقدت غالبيتها (إن لم يكن كلها) خارج البلاد. لذا، كانت مشاركة «أرض الصومال» في مؤتمر لندن الذي عُقِد أواخر شهر شباط/فبراير الماضي، نجاحا ديبلوماسيا بريطانيا كبيرا، كسر التقليد السياسي المتّبع في الجمهورية المعلنة من طرف واحد، والتي كان خطابها الرسمي يؤكد «الرغبة في الحوار مع الحكومة الصومالية في مقديشو، لكن ليس قبل أن تنجح في توحيد الجنوب (الصومال الإيطالي سابقا والذي يشمل ولايتي أرض بونت وغلمدق)، والمناطق التي كانت تحت سيطرة حركة الشباب، وأن تمتلك حكومة مقديشو الفيدرالية القدرة على إلزام كل من يدور في فلكها من أقاليم وولايات بتنفّيذ بنود ما يتمّ الاتفاق عليه». وهو ما لم يتحقق.
ومع ما يرافق المؤتمر المقبل في لندن من تساؤلات حول إمكان تحقيق الدفع باتجاه المفاوضات، بما يخدم التوجّه الدولي القائم اليوم، فإن تقدّم تلك المفاوضات مرهون بشكل مباشر بمقدار الضغط السياسي والاقتصادي الذي سيوجّهه المجتمع الدولي إلى طرفيها، في ظلِّ غياب العوامل المحليّة التي كان واجبا توافرها لنجاحها. فالحكومة في مقديشو ما زالت من الضعف بحيث لا يمكنها بسط سيطرتها التامة على المناطق التابعة لها إسميا، مضافا إلى ذلك قدرة الولايات الفيدرالية على التدخل المباشر في قراراتها السيادية، كل ذلك في ظل عدم وجود إرادة سياسية لدى القيادات في جمهورية «أرض الصومال» للسير قدما نحو ما يفرضه المسعى الدولي الذي ظهر في مؤتمر لندن السابق (فبراير/ شباط من العام الماضي)، والذي أظهر عدم وجود أيّ نية لدى الدول الكبرى بالسماح بانفصال تامّ لأي من أجزاء البلاد المستقلّة منذ سنة 1960.
مؤتمر للتوحيد أم لتكريس الانفصال؟
وعلى الرغم من أن العامل الدولي هو إذاً اللاعب الأكبر باتجاه الدفع نحو المفاوضات، فإن القيادة السياسية في «أرض الصومال» ما زالت الطرف المحدِّد لمسار هذه المفاوضات محلياً. وبحسب ظاهر الاشياء، كالتصريحات الصحافية لمسؤولين رفيعي المستوى هناك، فإن الاتجاه ما زال بعيداً عن الوحدة. فالاعتراف باستقلال جمهورية أرض الصومال باعتبارها الوريث الشرعي لكامل إقليم (المحمية البريطانية السابقة)، هو المطلب «المقدّس» الذي يطرح، وهم يعلنون أن دخولهم في تلك المفاوضات إنما هو انصياع للتوجه الدولي القائل بأن الاعتراف بأرض الصومال، إن تمّ، فإنه سيصدر أولًا من مقديشو.
وفي المقابل فإن العمل بنظام المحاصصة (4.5) الذي يضمن بقوة الدستور تقسيم المقاعد البرلمانية والمناصب العليا بين أربعة تجمعات قبلية كبرى (دِر، دارود، رحنوين وهوية)، يكون لكل واحدة منها حصّة واحدة، ويبقى نصف حصّة للأقليات، هو ما تتقدم به «مقديشو» ليكون الأساس الدائم والمستمر للحكم في ظلّ الوحدة التي تُزمِع صونها.
وقد شهدت الشهور الأخيرة التي حددت نهاية الفترة الانتقالية، متغيرات كثيرة. فلقد تمت صياغة مسودّة الدستور، واختيار لجان وأعضاء البرلمان في مقديشو، في منأى عن قيادة «أرض الصومال». بل سبق ذلك إعلان عن قيام ولاية جديدة على أراضي محافظتي «صول» و«سناغ» وناحية «عَيْن»، تحت اسم «خاتمو». وهي تقع شرق «أرض الصومال»، المحمية البريطانية السابقة، ويفترض أنها تابعة لها بحسب دستورها. وعلاوة على أن الغموض لف استيفاء «خاتمو» الشروط اللازمة لتحصل على صفة «الولاية» وتصبح إحدى الوحدات السياسية التي تتكون منها الدولة الفيدرالية الناشئة، فقد تدخّلت ولاية «أرض بونت» المجاورة لـ«خاتمو» (والقريبة منها في تركيبها القبلي كذلك)، للضغط على الحكومة في «مقديشو» من أجل تعديل الوفد الحكومي المتوجّه للتفاوض مع وفد «هرجيسا» عاصمة «أرض الصومال». وقد أدى ذلك الى تعليق المحادثات، باعتبار أن ما جرى من تغييرات في وفد «مقديشو» مخالف لما تم الاتفاق عليه لجهة العدد، كما لجهة التركيبة التي رأت فيها «أرض الصومال» مساً بسيادتها، لتضمن الوفد عضوين متحدرين من الولاية الجديدة. ومن جهة أخرى، تتقدم «أرض الصومال» باعتراضاتها تلك برغم أن قيادتها لم تحقق تقدما حاسما يضمن وحدة الصف لدى جميع من تقول بأنها تمثّلهم، ويسمح بتفادي انشقاقات قد تقع ضمنها، خلال سعيها للانفصال النهائي والحصول على الاعتراف الدولي. لقد تعرض العمل التفاوضي لانتكاسة، وعاد الجمود سيّد الموقف، مع الانشغال في مقديشو بانتخاب البرلمان إلى الرئيس، وتشكيل الحكومة.

أخطر ما يواجه المفاوضات ثلاث مسائل مهمة:
أولاها، حالة الشحن الشديد الذي يعيشه أبناء المناطق المركزية من «أرض الصومال» باتجاه الانفصال النهائي والاستقلال التام عن كيان الوحدة، ومردّه الخطاب الشعبوي المبني على اعتبار أن الجميع من الطرف الآخر في المفاوضات قد شاركوا ـ بصورة أو بأخرى ـ في ما حدث لهذه البقعة من البلاد من تهميش، وإفقار، وانتهاكات، ومحاولات تصفية عرقية، ودمار هائل أصاب المدن في الشمال الغربي للبلاد إبّان نظام سياد بري. ويلقي الزخم الذي يحمله ذلك الخطاب بالكثير من الآثار السلبية على أي جهود نحو إيجاد أرضيّة مشتركة مع أطراف أخرى شرقي المحمية البريطانية السابقة، وهو يدفع تلك الاطراف إلى معارضة استقلال «أرض الصومال» التام بحسم شديد في المقابل، نتيجة لمخاوفها المشروعة من أن تصبح عرضة للاضطهاد.
ثانيتها، تأسيس النخب السياسية في «أرض الصومال» لشرعية حكمها ووجودها في القيادة على تلك النزعة الشعبوية شديدة العدوانية، واستثمارهم لها، بما يجعل من الخطورة بمكان التقدم في المفاوضات بأي اتجاه قد يخالف تمنيات تلك الكتلة البشرية الأكبر من السكان البالغ عددها ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، بحسب تقديرات سنة 2008، وهي في «أرض الصومال». وليس من المستبعد أن يتسبب أي تنازل عن استقلال الإقليم، باضطرابات مأساوية يمكنها أن تنتشر بكل اتجاه في منطقة القرن الإفريقي، نظرا لتشابك المكونات البشرية العابرة للحدود، كما قد تهدد المستقبل السياسي لرجالات الدولة المنخرطين في المفاوضات، بل قد تبلغ من الحدّة بحيث تهدد سلامتهم الشخصية تحت طائلة الاتهام بالخيانة. ويصبح مرجحا أن تضع حدا لاستمرار النظام الإداري والحكومي القائم، باتجاه تمردات مسلّحة أو حتّى انقلاب عسكري، سبق وشهد الإقليم مثيلا لها في السنة الأولى من الوحدة عام 1961. وهو ما قد يجعل من المنطقي سياسيا، محاولة حكومة حزب «كُلمِيِه (Kulmiye) الحاكم في «هرجيسا»، كسب المزيد من الوقت حتى حلول الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في السنة المقبلة 2014، بحيث يصبح بالإمكان إنشاء حكومة وحدة وطنية تستطيع تدارك حالة الاحتقان المرتقبة. فليس من الممكن بأي حال من الأحوال أن تزيل الطبقة السياسية الحاكمة هناك ما هو راسخ من التظّلم الذي يحمله قطاع كبير من أبناء تلك المنطقة تجاه السلطة في مقديشو، وما تمّت مراكمته من خطاب سياسي يدعو للقطيعة النهائية مع «حمر» (وهو الاسم الشائع لمقديشو)، ممنّيا أبناء المنطقة بالاعتراف الدولي بالاستقلال.
ثالثتها، الضعف الشديد الذي تعانيه الحكومة في مقديشو، والذي أصبح علنيا مع حديث أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركية، (التي تعتبر بلاده الداعم الأكبر من دون مواربة لحكومتها الفيدرالية) عن «ضعف ثقة القادة السياسيين بأنفسهم ومستقبل بلادهم». وليس ذلك إلّا نتيجة لحالة الهرولة السياسية المدفوعة دفعا بأجندات دولية، بحيث يصبح من المتعذّر ترتيب الوضع الداخلي للحكومة الفيدرالية التي تزداد مسؤولياتها بشكل مستمر مع الاتساع المطرد للمناطق التي يتم انتزاعها من «حركة الشباب المجاهدين»، في ظل ضعف الموارد، وضغوط الولايات المنضوية تحتها عليها، وقلة الخبرة في التعامل مع التوتر القبلي الذي كان بالأساس سبب هيمنة حركة الشباب على محافظات النهرين (جوبا وشبيلي) جنوب البلاد، إضافة إلى التناقضات الفجّة التي يخلقها التمسّك «العملي» بنظام المحاصصة القبلي، وما أنتجه من تكريس لتوازنات سياسية – قبلية، كان من الضروري البدء باستبدالها تدريجا بعمل سياسي.
ان كلاً من الكيانين (حكومة الصومال الفيدرالية و حكومة أرض الصومال) غير مؤهّل بالأصل ذاتياً لخوض غمار المفاوضات، بل هما ينساقان للضغط الدولي الجارف، الذي يرى أركانه أن في البلاد من الثروات ما أينع وحان قطافه. ويسعى الضغط الدولي لتنصيب طرف مخوّل بالتوقيع على الاتفاقيات بالنيابة عن سائر مناطق البلاد جملة، وهو الحكومة الفيدرالية شديدة الضعف في «مقديشو». ويضمن ذلك إشغال الساسة الصوماليين بالمعضلات التي لم يتسنَّ حلها بشكل طبيعي، ومن دون وضع اعتبار لما يجب اتخاذه من تدابير، تجعل الانتقال لمرحلة ما بعد المفاوضات ـ أيا كانت نتيجتها ـ أكثر سلاسة، لتجنيب البلاد كلها تبعات صراعات قبلية مفتوحة وشديدة الضراوة يمكن ان تنفجر من جراء السياق الجديد غير المنضج ذاتياً، ويكون مسرحها هذه المرة الشمال وشمال شرق البلاد (أرض الصومال وخاتمو وأرض بونت) بما سيؤدي لا محالة لتبديد ما بذله الشعب الصومالي من جهد بكل انتماءاته وأقاليمه، لبناء هياكل إدارية حفظت استقرار المناطق الآمنة كـ«أرض الصومال» وولايات «أرض بونت» و«غلمدق» ـ مع التفاوت. فقد أثبتت تلك الجهود نجاحها بالفعل في الحد من الخسائر البشرية التي كان من الممكن أن تتصاعد بحدّة بعد أن تجاوزت على أي حال المليون إنسان، وبعد أن هيأت لإعادة الإعمار والنمو، في مسعى نحو التعافي مما مضى من مآسٍ.

اقتباس | Posted on by | أضف تعليقاً

Despite Mounting Economic Woes, Somalis Remain Steadfast

Source

Somalia's GDP amounts to just over $5 billion

Somalia’s GDP amounts to just over $5 billion

Are emerging signs of international interest in Somalia’s stability hiding investment projects in lucrative economic sectors, such as oil, gas and mining? The majority of Somalis are from rural areas, or work in government agencies and offices. They live in a state-sponsored economy, where the state is the main merchant and the sole provider of major services; it is in charge of all parts of life. Yet Somalis have been steadfast, despite the huge human losses during the years of conflict, and despite the lack of stability. They will have to employ the experience they earned through this steadfastness and conflict in order to pick up on signs of hope in the transition from steadfastness to recovery.

Grazing, fishing and agriculture

The Somali people depend on agriculture and animal husbandry as their main source of income. Approximately 80% of the population works in this field. About 10 million people live in Somalia, a country with an area of 633,000 square kilometers. The presence of two rivers, along with the abundant rainfall in the highlands of the north, create an environment suitable for grazing and agriculture. Somali clans own the largest number of camels in the world, estimated at 7 million and accounting for 50% of the world’s camels.
There has been a big jump in the export of Somali livestock, especially after Gulf states lifted their ban on importing the country’s livestock. In 2010, Somalia exported 4.3 million camels, cows and sheep. The country also has a diverse range of agricultural crops, from grains to legumes to fruits. The agricultural sector accounted for 47% of the country’s exports and 17% of its imports in 2001. The country has the potential to produce 200,000 tons of fish per year, without causing a negative impact on the renewal of the natural reserves of marine species. Work has begun on the production of canned fish in the town of Las Qouri on the northern coast. It is no secret that the clash between local fishermen and foreign vessels over foreign waste was the main impetus behind the violent local reaction to defend the county’s marine resources in the absence of the state. This later transformed into widespread piracy. 

Industry and ports

Industry, the third largest sector in the country, provides for 5% of Somalia’s total GDP. This sector’s activities are focused on food industry — such as canned goods, beverages, oil presses, sugarcane and pasta production — along with processing industries such as leather, oil, sugar and salt processing, and chemical industries such as the manufacture of cleaning agents.
Ports have provided a golden opportunity for regional business. Ports such as Berbera, Bosaso, Mogadishu and Kismayo have become conduits for transporting large quantities of goods to consumers in Djibouti, Ethiopia, Kenya and southern Sudan. The value of goods passing though the port of Mogadishu is estimated at $1 billion per year, while the return on customs at the port of Berbera is estimated at $70 million to $100 million annually. The geographical location of Somalia — given it’s proximity to South Asia, the Middle East and eastern Africa — is important in this regard.

War economy: a Kalashnikov for $140

The absence of the state, since the collapse of the “socialist” system in the beginning of the 1990s, is a major cause behind the subsequent significant economic changes in the country. A lot of national capital has been invested in regional neighboring countries. Somalis established real estate development projects in Kenya and Djibouti, and also entered into the real estate sectors in Dubai and Ajman. Moreover, the absence of the state was a factor in Somalis working and investing in the service sector, due to the deterioration of basic infrastructure in the country, particularly the roads. Statistics indicate that 88% of roads in the country are unpaved, while the rest of the paved roads (2,608 km) are in need of extensive maintenance and development. The same is true for the country’s airports and seaports.
However the absence of the state, alongside the state of chronic conflict characterizing large areas of the country, were behind the emergence of the war economy. The entirety of the country transformed into a black market. Anything could be entered into the black market; anything could be bought or sold, imported or exported, shipped or smuggled. Piracy, arms trafficking and illegal immigration all played a major role in this arena.
Despite the international ban on arming Somalia, the country became an open market and way station for all types of light and medium weapons heading in all directions. Here we must mention the name of the most important market in east Africa for goods and weapons: the Bakaara Market in Mogadishu. This market includes over 400 dealers selling “potent” weapons. It is a paradise for those interested in buying weapons, in terms of both quality and price. A Kalashnikov assault rifle costs no more than $140. Prices can increase depending on the quality, with some weapons costing up to $1,000 — the price of a Russian-made pistol. Yet you can buy a land mine for only $100 and a hand grenade for $25. The amount of arms owned by civilians exceeds the amount owned by the weak state by between five to seven times.

Piracy generates money for villages

In the midst of acts of maritime piracy — which have changed the course of things for international shipping in the western Indian Ocean, the Gulf of Aden and the Red sea — ransom money is pouring into coastal villages in the states of Puntland and Galmudug. These villages have transformed into launching pads for pirates. Most of the money paid for ransoms, which amounted to $238 million in 2010, goes to anonymous patrons of piracy — members of international organized crime. Yet despite this fact, a single pirate receives at least $10,000-15,000 for each successful operation. The effect of this revenue is evident in increased construction and stimulated commercial trade in areas that were once deemed the poorest in the country. These are areas that had no resources other traditional fishing.
The birth of new occupations: gravediggers for example
Grave-digging is among the professions that generate rewarding profits, particular during periods of increased clashes in the capital, which claimed more than 18,000 victims in two years. The same goes for makers of coffins, those who deal sheets of iron — which have become an economical alternative to wood in coffin production — and dealers of white cotton fabrics for funeral shrouds…

The “new” economy

Somalia’s GDP amounts to just over $5 billion annually (according to the CIA World Factbook), ranking 165th globally. National investment has increased in multiple projects, transforming the absence of the state — which could have been pursuing a policy of intervention — into a blessing for the private sector. The telecommunications sector grew, with eight national companies providing the most effective communication networks on the African continent. The Internet entered the country in the 1990s, reaching urban areas and remote villages alike. Moreover, “Zad” was launched, a program for making financial transactions via mobile phones.
Somali expatriates also developed successful working relationships with businessmen throughout the world, contributing to a growth in the commercial sector. Networks for transporting goods stretched between Asia and Africa, from China in the east to Senegal in the west.
With an increase in Somalis migrating abroad — escaping the war and in search of a better life — the remittance sector grew. This brought about an important economic resource and revenues, as Somalis secured easy means for the immediate transfer of funds. Somalis took it upon themselves to provide this service. A network of money transfer offices sprung up, covering countries throughout the world (144 countries). This sector has provided the national economy with $1 billion to $2 billion annually.

A troubled framework

Continued turmoil in the south of the country has led to frequent waves of displacement. Hundreds of thousands of refugees have set out in all directions, whether inside the country or to neighboring states. The instability led to a large segment of the population losing their livelihoods and tools of trade, which they left behind in their search for safety and security.
This has put the displaced in a critical economic situation, completely exposed to fluctuations in weather that affect large areas of the country. This is particularly true given the recurring effects of El Nino, which is increasingly tough decade after decade. This has led to periods of severe drought, almost destroying the vegetation in vast areas of the country. These droughts have also killed many livestock, leading to hundreds of thousands of shepherds and agricultural workers and their families joining the destitute convoys of the displaced. It seems clear that they will not survive without urgent humanitarian aid.
The Somali people have overcome this situation with the least amount of aid. Moreover, when the aid arrived — if it ever arrived — it was subject to corruption on the part of offices of aid organizations, through corrupt officials, warlords and politicians. The aid was seasonal and in the end was as damaging to production cycles and the marketing of crops as were fluctuating environmental conditions.

Translated by Al-Monitor

اقتباس | Posted on by | أضف تعليقاً

قصيدة سهلاء

11214018_1105761916103850_7558035277647659525_n

اقتباس | Posted on by | أضف تعليقاً